ابن قيم الجوزية

526

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

المشهد الثاني : مشهد « الصبر » فيشهده ويشهد وجوبه ، وحسن عاقبته ، وجزاء أهله ، وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ، ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام . فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة . وعلم أنه إن لم يصبر اختيارا على هذا - وهو محمود - صبر اضطرارا على أكبر منه . وهو مذموم . المشهد الثالث : مشهد « العفو والصفح والحلم » فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته : لم يعدل عنه إلا لعشى في بصيرته . فإنه « ما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا » كما صح ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وعلم بالتجربة والوجود . وما انتقم أحد لنفسه إلا ذلّ . هذا ، وفي الصفح والعفو والحلم : من الحلاوة والطمأنينة والسكينة ، وشرف النفس ، وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام : ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام . المشهد الرابع : مشهد « الرضى » وهو فوق مشهد « العفو والصفح » وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة ، سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام للّه . فإذا كان ما أصيب به في اللّه ، وفي مرضاته ومحبته : رضيت بما نالها في اللّه . وهذا شأن كل محب صادق ، يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره . ومتى تسخط به وتشكى منه ، كان ذلك دليلا على كذبه في محبته ، والواقع شاهد بذلك ، والمحب الصادق كما قيل : من أجلك جعلت خدّي أرضا * للشامت والحسود حتى ترضى ومن لم يرض بما يصيبه في سبيل محبوبه ، فلينزل عن درجة المحبة . وليتأخر فليس من ذا الشأن . المشهد الخامس : مشهد « الإحسان » وهو أرفع مما قبله . وهو أن يقابل إساءة المسئ إليه بالإحسان . فيحسن إليه كلما أساء هو إليه . ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه ، وأنه قد أهدى إليه حسناته ، ومحاها من صحيفته . وأثبتها في صحيفة من أساء إليه . فينبغي لك أن تشكره ، وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك . وههنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبة الثواب . وهذا المسكين قد وهبك حسناته . فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها ، لتثبت الهبة ، وتأمن رجوع الواهب فيها . وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم . وأهل العزائم . ويهونه عليك أيضا : علمك بأن الجزاء من جنس العمل . فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه . وأحسنت إليه ، مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلّك . فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك . يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك . فهذا لا بد منه . وشاهده في السنة من وجوه كثيرة لمن تأملها . المشهد السادس : مشهد « السلامة وبرد القلب » وهذا مشهد شريف جدا لمن عرفه ، وذاق حلاوته . وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى ، وطلب الوصول إلى درك ثأره ، وشفاء نفسه . بل يفرغ قلبه من ذلك . ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له . وألذ وأطيب . وأعون على مصالحه . فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده ، وخير له منه . فيكون بذلك